بقيت كلمات هدى الراوي معلقة في ساحة القصر، كأنها أوقفت الزمن للحظات:
الطفل الثاني لم يمت... لقد أخذوه مني ليلة الحريق.
لم يتحرك أحد.
كان آدم واقفًا أمامها، ينظر إلى وجهها الشاحب ويحاول أن يفهم كيف يمكن لجملة واحدة أن تهدم كل ما عرفه عن نفسه. أما يزن، فبقي يحمل شهادة الوفاة بين يديه، وقد اختفى الغضب من ملامحه وحل مكانه ذهول لم يستطع إخفاءه.
اقترب يزن من والدته وقال بصوت منخفض:
«أي طفل تتحدثين عنه؟»
لم تجبه هدى. كانت عيناها مثبتتين على آدم، وكأنها تحاول العثور في ملامحه على وجه طفل لم تره منذ سبعة وعشرين عامًا.
أعاد يزن سؤاله بحدة أكبر:
«أمي، من أخذ الطفل؟»
ارتجفت شفتاها، ثم نظرت إليه.
«أدخلوني إلى البيت.»
تحركت خطوة، لكنها فقدت توازنها فجأة. أسرع يزن وأمسك بذراعها قبل أن تسقط، بينما تقدمت ريم من الجهة الأخرى لمساعدتها.
حاول آدم الاقتراب، إلا أن يزن رفع يده في وجهه.
«ابقَ بعيدًا عنها.»
توقف آدم ونظر إليه بثبات.
«هي التي كانت تنظر إليّ عندما قالت إن ابنها لم يمت.»
اشتدت قبضة يزن على ذراع والدته.
«هذا لا يجعلك واحدًا منا.»
أجابه آدم:
«وأنا لم أقل إنني أريد أن أكون واحدًا منكم. أريد فقط أن أعرف من أكون.»
تدخلت ليان قبل أن يتحول الموقف إلى شجار جديد.
«لن نعرف شيئًا ونحن نقف حول صندوق فارغ. هدى هي الوحيدة التي تعرف ما حدث في تلك الليلة.»
نظرت هدى إلى ليان بعدم ارتياح، لكنها لم تعترض.
دخل الجميع إلى القصر، بينما بقي الصندوق رقم سبعة عشر في الساحة، محاطًا برجال الأمن، بعد أن تحول من دليل على الحقيقة إلى دليل على وجود شخص يعمل في الخفاء.
الحقيقة التي أخفتها هدى
جلست هدى في غرفة صغيرة بعيدة عن قاعة الوصية. وضعت ريم أمامها كوبًا من الماء، بينما وقف يزن قرب النافذة، غير قادر على الجلوس.
جلس آدم في الجهة المقابلة، وبقيت ليان إلى جانبه. أما نادر، مسؤول الأمن، فوقف قرب الباب ينتظر تعليمات يزن.
نظرت هدى إلى وجود ليان وقالت:
«هذا شأن عائلي.»
أجابتها ليان:
«سليم هو من أدخلني إلى هذا الشأن قبل موته.»
قالت هدى بمرارة:
«سليم أدخل الجميع في حياته، إلا زوجته.»
رفعت ريم رأسها نحوها.
«أخبرينا بما حدث في مستشفى النور.»
أغمضت هدى عينيها للحظات، وكأنها تستعد لفتح باب ظل مغلقًا داخلها سنوات طويلة.
ثم بدأت حديثها:
«قبل سبعة وعشرين عامًا، كنت حاملًا بتوأم. لم يعرف أحد بالأمر خارج العائلة، لأن الحمل كان صعبًا، وسليم كان يخشى أن ينتشر الخبر قبل أن يتأكد الأطباء من سلامة الطفلين.»
نظر يزن إليها بصدمة.
«لماذا لم تخبريني؟»
أجابته دون أن تنظر إليه:
«كنت صغيرًا. لم أرد أن أحملك شيئًا لم أستطع أنا حمله.»
واصلت:
«بدأت الولادة قبل موعدها. أخذني سليم إلى مستشفى النور ليلًا، لأن الطبيب الذي كان يتابع حالتي يعمل هناك. وُلد الطفل الأول ضعيفًا، وقالوا إنه توفي بعد دقائق.»
وضعت يدها على صدرها، ثم أضافت:
«أما الطفل الثاني، فسمعته يبكي.»
انحنى آدم قليلًا إلى الأمام.
«هل رأيته؟»
هزت رأسها.
«للحظات فقط. كان صغيرًا جدًا، ووضعوا حول معصمه سوارًا أبيض يحمل الرقم سبعة عشر. ثم أخذته ممرضة إلى قسم الأطفال.»
تحركت عينا ليان نحو الصندوق الذي يحمل الرقم نفسه.
قالت:
«إذن رقم الصندوق لم يكن عشوائيًا.»
تابعت هدى:
«بعد أقل من ساعة، انقطعت الكهرباء. بدأت رائحة الدخان تنتشر في الممرات، ثم سمعت صراخ الناس. حاولت النهوض، لكنني كنت تحت تأثير الدواء.»
«دخل سليم الغرفة. كان وجهه مغطى بالدخان، وثيابه تحمل آثار رماد. سألته عن طفلي، فقال إن الأطباء يحاولون إخراج الأطفال من القسم.»
توقفت هدى قليلًا، ثم قالت بصوت أضعف:
«بعد ذلك أخبرني أن الطفل مات.»
قال آدم:
«لكن لم تكن هناك جثة.»
نظرت إليه.
«طلبت أن أراه. رفض. قال إن الحريق أصاب قسم الأطفال وإن الوضع كان سيئًا جدًا. لم يسمحوا لي حتى بحضور الدفن.»
ارتفع صوت يزن:
«وصدقتِه؟»
التفتت إليه هدى بغضب امتزج بالحزن.
«كنت قد خرجت من عملية ولادة، وفقدت طفلين كما كنت أظن، والمستشفى يحترق حولي. ماذا كنت تريد مني أن أفعل؟»
صمت يزن وأدار وجهه نحو النافذة.
الشك الأول
سألت ريم:
«متى عرفتِ أن الطفل الثاني ربما لم يمت؟»
مسحت هدى دمعة نزلت على خدها.
«بعد الحريق بست سنوات تقريبًا. كنت أبحث في مكتب سليم عن أوراق تخص الشركة، فعثرت على إيصال تحويل مالي إلى امرأة تدعى نجوى منصور. كان المبلغ يُرسل إليها كل شهر منذ ليلة الحريق.»
سألت ليان:
«من تكون نجوى منصور؟»
«كانت ممرضة في قسم الأطفال في مستشفى النور.»
ظهر الاهتمام على وجه ليان.
«هل واجهتِ سليم؟»
«نعم. سألته لماذا يدفع لها المال، فقال إنها فقدت عملها بسبب الحريق وإنه يساعدها. لم أصدقه.»
«بعدها بأيام، وجدت صورة في درج مغلق. كانت الصورة لطفل في عمر بضعة أشهر تحمله نجوى. لم يكن وجه الطفل واضحًا، لكن السوار الذي حول معصمه كان يحمل الرقم سبعة عشر.»
تغير وجه آدم.
«أين الصورة؟»
«أخذها سليم مني ومزقها.»
قالت ليان:
«لكن ذلك يعني أنه كان يعرف أن الطفل حي.»
أومأت هدى ببطء.
«أخبرني يومها أن أنسى ما رأيته. قال إن عودة الطفل ستعرضه للخطر، وإن هناك أشخاصًا سيقتلونه لو عرفوا أنه نجا.»
سأل آدم:
«من هؤلاء الأشخاص؟»
«لم يخبرني.»
ضرب يزن الحائط بقبضته.
«أبي أخفى أخي طوال سبعة وعشرين عامًا، وأنتِ وافقتِ على الصمت؟»
وقفت هدى رغم ضعفها.
«لم أوافق! بحثت عن نجوى، لكنها اختفت. حاولت الوصول إلى ملفات المستشفى، فقيل لي إن الأرشيف احترق. وعندما هددت سليم بأن أذهب إلى الشرطة، أخبرني أن يزن سيكون الهدف التالي.»
توقف يزن فجأة.
«أنا؟»
«قال إن من أخذ الطفل يراقب العائلة، وإن فتح الملف سيعرضك أنت أيضًا للخطر.»
نظر يزن نحو آدم. لم تعد نظرته تحمل الكراهية وحدها، بل بدأ الشك يتسلل إليها.
قال آدم:
«هل تعتقدين أنني ابنك؟»
لم تجب هدى مباشرة.
اقتربت منه ببطء، ثم وقفت أمامه.
رفعت يدها كأنها تريد لمس وجهه، لكنها توقفت قبل أن تفعل.
«عندما دخلت القاعة، شعرت أنني رأيت هذا الوجه من قبل.»
قال آدم بمرارة:
«الشعور ليس دليلًا.»
«أعرف.»
«إذن لا تنظري إليّ كأنك عثرتِ على ابنك. ربما أكون مجرد رجل آخر استخدمه سليم في لعبته.»
أطرقت هدى رأسها، ثم قالت:
«هناك علامة كانت على كتف الطفل.»
تجمد آدم.
سألته ريم:
«هل لديك علامة ولادة؟»
لم يجب آدم.
قال يزن:
«أجب.»
نظر آدم إليه بحدة.
«لن أخلع قميصي أمام عائلتك لإثبات شيء لا أفهمه.»
تدخلت ليان:
«العلامات قد تتشابه. الفحص الجيني وحده يمكنه إثبات القرابة.»
قال يزن:
«سنقوم به اليوم.»
رد آدم فورًا:
«لن تقرر عني.»
«إن كنت تدعي أنك تريد الحقيقة، فلماذا ترفض؟»
«لأنني لا أثق بك، ولا بمختبر تختاره أنت، ولا بعائلة اختفت من بيتها وصية وصندوق في دقائق.»
لم يجد يزن جوابًا سريعًا.
القطعة المعدنية
أخرج نادر هاتفه، ثم اقترب من يزن.
«وصل تقرير أولي عن السيارة.»
التفت الجميع إليه.
قال نادر:
«باب سيارة آدم لم يُكسر. فُتح بمفتاح مشابه للمفتاح الأصلي أو بأداة احترافية. لكن رجال الأمن وجدوا قطعة معدنية صغيرة تحت المقعد الخلفي.»
أخرج كيسًا شفافًا من جيبه. بداخله كانت توجد قطعة مستطيلة عليها بقايا طلاء أزرق ورقم صغير:
18
اقترب آدم منها، ثم تغير وجهه.
قالت ليان:
«هل تعرفها؟»
أدخل آدم يده داخل قميصه، وأخرج سلسلة قديمة كان يضعها حول عنقه. في نهايتها علقت قطعة معدنية صغيرة تشبه القطعة الموجودة داخل الكيس.
وضعها بجانبها.
كانت القطعتان متطابقتين تقريبًا، لكن قطعة آدم حملت الرقم نفسه:
18
نظرت هدى إلى الرقم وقالت بسرعة:
«هذا ليس رقم طفلي. طفلي كان يحمل سبعة عشر.»
شعر آدم بأن شيئًا ثقيلاً سقط داخل صدره.
سألته ريم:
«من أين حصلت على هذه القطعة؟»
«كانت معي عندما وجدوني.»
قال يزن:
«من وجدك؟»
«المرأة التي ربتني. أخبرتني أنني وصلت إلى باب بيتها داخل حقيبة صغيرة، ولم يكن معي سوى بطانية وهذه القطعة.»
سألت ليان:
«هل ما زالت حية؟»
هز آدم رأسه.
«توفيت قبل خمس سنوات.»
أخذت ليان هاتفها وبدأت تبحث في الصور التي التقطتها لملفات مستشفى النور.
قالت:
«سبعة عشر وثمانية عشر قد لا يكونان رقمَي طفلين داخل الغرفة نفسها. قد يكونان رقمَي ملفين.»
سألتها ريم:
«وهل يوجد الملف رقم ثمانية عشر؟»
«لا أعرف. لكنني أعرف أين يمكن أن نجد نسخة من سجل الولادات.»
التفت آدم إليها.
«أين؟»
«داخل مبنى مستشفى النور القديم.»
المستشفى المهجور
قال نادر:
«المستشفى مغلق منذ سنوات، والمبنى غير آمن.»
أجابت ليان:
«الجزء الرئيسي أُغلق، لكن المستودع الخلفي لم يحترق بالكامل. بعض السجلات نُقلت إليه قبل إغلاق المكان.»
نظر يزن إليها بشك.
«وكيف تعرفين ذلك؟»
«لأنني أبحث في ملف المستشفى منذ أشهر، قبل أن أعرف بوجود آدم.»
قالت ريم:
«علينا إبلاغ الشرطة أولًا.»
رفض يزن:
«لن نبلغ أحدًا قبل أن نعرف ماذا يوجد هناك.»
قال آدم:
«عندما يتعلق الأمر بسمعة عائلتكم، تتفقون بسرعة عجيبة.»
ارتدى معطفه واتجه نحو الباب.
سأله يزن:
«إلى أين تذهب؟»
«إلى المستشفى.»
«لن تذهب وحدك.»
التفت آدم إليه.
«أنا لا أطلب إذنك.»
اقترب يزن منه.
«وقد يكون هناك شخص يريد قتلك، بناءً على تسجيل أبي.»
أجابه آدم:
«هذا أول شيء صادق تقوله لي منذ دخلت القصر.»
قال نادر إنه سيرسل رجلين معهم، لكن آدم رفض أن يتحول البحث إلى موكب يجذب الانتباه. في النهاية، خرج آدم وليان بسيارتها، بينما بقي يزن في القصر مع والدته.
لكن آدم لم يلاحظ السيارة السوداء التي غادرت البوابة بعدهما بدقائق.
طريق إلى الماضي
كان مستشفى النور يقع في طرف قديم من المدينة، داخل منطقة هُجرت معظم مبانيها بعد انتقال المصانع إلى أماكن أخرى.
طوال الطريق، ظل آدم صامتًا.
كانت ليان تقود وتنظر إليه بين حين وآخر.
قالت:
«يمكننا العودة.»
«لماذا؟»
«لأن ما سنجده قد لا يكون ما تريده.»
نظر من النافذة.
«أنا لا أعرف ماذا أريد أصلًا.»
«كل شخص يريد أن يعرف من أين جاء.»
«أحيانًا يكون المكان الذي جئت منه أسوأ من المكان الذي عشت فيه.»
بقيت ليان صامتة قليلًا، ثم قالت:
«المرأة التي ربتك، هل كانت أمًا جيدة؟»
ظهرت ابتسامة خفيفة على وجهه.
«كانت أفضل من كثير من الأمهات الحقيقيات. لم تجعلني أشعر يومًا أنني طفل وجدته أمام بابها.»
«إذن معرفة الحقيقة لن تمحوها.»
نظر إليها للمرة الأولى منذ انطلاقهما.
«أخشى أن تمحو الشخص الذي كنت أظنه أنا.»
قالت ليان بهدوء:
«الحقيقة قد تغير اسمك، لكنها لا تغير الرجل الذي صنعته حياتك.»
لم يجب آدم، لكنه ظل ينظر إليها للحظات قبل أن يعيد وجهه نحو الطريق.
أبواب مستشفى النور
وصل الاثنان بعد غروب الشمس.
ظهر مبنى المستشفى خلف سور حديدي صدئ، وقد غطت الأعشاب جزءًا من ساحته. كانت بعض النوافذ محطمة، وآثار الحريق القديمة ما تزال واضحة على الطابق العلوي.
أوقفت ليان السيارة بعيدًا عن المدخل الرئيسي.
أخرجت مصباحًا صغيرًا من حقيبتها، ثم قالت:
«المستودع خلف المبنى.»
نظر آدم إلى المصباح.
«صحفية تحمل مصباحًا وقفازات وأداة لفتح الأبواب؟»
«التحقيق الصحفي في المسلسلات يبدو أجمل مما هو عليه في الحقيقة.»
«هل تدخلين المباني المهجورة كثيرًا؟»
«فقط عندما يكون الباب مفتوحًا.»
نظر إلى السور المغلق أمامهما.
«والباب هنا ليس مفتوحًا.»
رفعت الأداة المعدنية وابتسمت.
«سيصبح كذلك.»
دخلا من بوابة جانبية، وسارا في ممر ضيق حتى وصلا إلى الجزء الخلفي من المستشفى.
كان باب المستودع مخلوعًا من أحد جوانبه.
توقف آدم قبل الدخول.
«هناك شخص سبقنا.»
أشارت ليان بمصباحها إلى الأرض. ظهرت آثار حذاء حديثة فوق الغبار.
قالت بصوت منخفض:
«ربما حارس المكان.»
«الحراس لا يكسرون الأقفال التي يملكون مفاتيحها.»
دخل آدم أولًا، ثم تبعته ليان.
السجل المحترق
امتلأ المستودع برفوف حديدية وصناديق كرتونية قديمة. كانت رائحة الورق والرطوبة قوية، والظلام يبتلع نهاية الممرات.
تحركا بين الرفوف حتى وصلا إلى قسم كُتب فوقه:
سجلات سنة 1999
فتحت ليان أول صندوق، لكنها وجدته فارغًا. فتحت الثاني والثالث، وكانت الملفات مبعثرة أو ممزقة.
قالت:
«أحدهم كان يبحث عن شيء محدد.»
انحنى آدم والتقط ورقة محروقة من أطرافها.
ظهر عليها جزء من اسم:
هدى الرا...
بحثا في الصندوق نفسه، حتى عثرت ليان على سجل كبير عالق خلف لوح معدني.
وضعته فوق طاولة ونفخت الغبار عن غلافه.
كان سجل قسم الولادة في الليلة التي وقع فيها الحريق.
قلبت الصفحات بحذر، ثم توقفت عند الصفحة التي تحمل التاريخ المطلوب.
أشارت إلى سطر وقالت:
«الملف سبعة عشر.»
اقترب آدم وقرأ:
الأم: هدى الراوي.
عدد المواليد: اثنان.
المولود الأول: ذكر — توفي بعد الولادة.
المولود الثاني: ذكر — نُقل إلى الحضانة.
مررت ليان إصبعها فوق السطر الأخير.
«هناك كتابة أضيفت لاحقًا بحبر مختلف.»
قرأ آدم الكلمات:
توفي أثناء الحريق.
قالت ليان:
«هذه الجملة لم تُكتب في الوقت نفسه. القلم مختلف، والخط مختلف.»
قلب آدم الصفحة بسرعة.
«ابحثي عن الملف ثمانية عشر.»
وجدت ليان السطر التالي مباشرة.
الملف رقم 18.
الأم: مريم ناصر.
مولود واحد: ذكر.
حالة الأم: توفيت أثناء الولادة.
حالة الطفل: مستقرة.
نظر آدم إلى القطعة المعدنية المعلقة حول عنقه.
«ثمانية عشر.»
أضافت ليان:
«بحسب هذا السجل، أنت قد تكون ابن مريم ناصر، وليس ابن هدى.»
بقي آدم صامتًا.
أسفل السطر ظهر توقيع الطبيب المشرف:
الدكتور نجيب مراد
ثم وجدا ملاحظة صغيرة كُتبت بقلم أحمر على هامش الصفحة:
نقل الطفلين قبل وصول الشرطة.
قال آدم:
«أي طفلين؟»
أجابت ليان:
«طفل هدى وطفل مريم.»
«إذن كلاهما خرج حيًا من المستشفى.»
«على ما يبدو.»
قلبت الصفحة التالية، لكنها كانت ممزقة بالكامل.
لم يبقَ منها سوى جزء صغير يحمل كلمات غير مكتملة:
تم تبديل الأساور بأمر من...
توقف النص عند الجزء الممزق.
شعر آدم ببرودة تسري في جسده.
«تبديل الأساور؟»
قالت ليان:
«هذا يعني أن الرقم الذي كان معك لا يثبت أنك الطفل رقم ثمانية عشر. قد يكون شخص ما بدّل الرقمين عمدًا.»
الحريق يعود
سمعا صوتًا خافتًا في نهاية المستودع.
صوت احتكاك، ثم سقوط علبة معدنية.
أطفأت ليان مصباحها بسرعة.
قال آدم همسًا:
«ابقَي خلفي.»
تحرك بين الرفوف، بينما أمسكت ليان بالسجل وأخفته داخل حقيبتها.
ظهر ضوء صغير في الممر المقابل، ثم اختفى.
صاح آدم:
«من هناك؟»
لم يأتِ جواب.
بعد ثوانٍ، وصلت إلى أنفه رائحة حادة.
توقف، ثم قال:
«بنزين.»
اشتعلت النار فجأة في نهاية الممر. ارتفع اللهب بسرعة فوق الصناديق الكرتونية، وبدأ الدخان يملأ المستودع.
أمسكت ليان بذراع آدم.
«الباب من هناك.»
اندفعا نحو المدخل، لكن رفًا حديديًا سقط أمامهما بعد أن دفعه شخص من الجهة الأخرى.
ظهرت خلف اللهب هيئة رجل يرتدي معطفًا داكنًا، ثم ركض نحو باب جانبي.
حاول آدم اللحاق به، لكن ليان سعلت بقوة وسقطت على ركبتها.
عاد إليها فورًا، أمسك بها ورفعها.
«اتركني والحق به.»
«لن أتركك داخل النار من أجل رجل لا أعرف وجهه.»
دفعا الرف معًا بصعوبة، ثم عبرا من فتحة ضيقة نحو الباب.
خرجا إلى الساحة الخلفية قبل أن ينتشر اللهب في المستودع كله.
جلست ليان على الأرض تلتقط أنفاسها، بينما نظر آدم إلى النافذة التي بدأت النار تخرج منها.
قال بغضب:
«أحدهم أحرق المستشفى قبل سبعة وعشرين عامًا ليمحو الحقيقة، وعاد اليوم ليفعل الشيء نفسه.»
فتحت ليان حقيبتها بسرعة.
كان السجل ما يزال بداخلها.
«هذه المرة لم ينجح.»
الرجل الذي كان يراقبهما
سمع آدم صوت محرك سيارة ينطلق من خلف السور.
ركض نحو البوابة، لكنه لم يلحق سوى رؤية سيارة سوداء تبتعد في الطريق.
لم يستطع رؤية السائق، لكنه لاحظ ضوءًا مكسورًا في الجهة الخلفية من السيارة.
عاد إلى ليان، فوجدها تتحدث مع رجال الإطفاء عبر الهاتف.
سألته:
«هل رأيته؟»
«لا. لكنه كان يعرف أننا هنا.»
أخرجت ليان هاتفها، فوجدت رسالة وصلت إليها قبل دقيقة من رقم مجهول.
فتحتها، ثم تغير وجهها.
أخذ آدم الهاتف منها وقرأ:
كان يجب أن يختفي السجل في الحريق الأول.
ابتعدا عن الطفلين، وإلا ستكون النار القادمة داخل القصر.
رفع آدم عينيه نحو ليان.
«الطفلين.»
قالت:
«هذا يؤكد أن الطفلين عاشا.»
«وأن أحدهما قد يكون أنا.»
«والآخر ما يزال مجهولًا.»
قبل أن يكمل حديثه، رن هاتف آدم.
كان يزن.
أجاب آدم:
«ماذا تريد؟»
جاء صوت يزن متوترًا:
«أين أنت؟»
«في مستشفى النور.»
صمت يزن لحظة، ثم قال:
«عد إلى القصر فورًا.»
«لماذا؟»
«أمي اختفت.»
تجمد آدم.
تابع يزن:
«وجدنا نافذة غرفتها مفتوحة، وعلى سريرها صورة قديمة لطفلين.»
«وهل ترك الخاطف شيئًا؟»
جاء صوت يزن أضعف هذه المرة:
«ترك رسالة تحمل اسمك.»
شعر آدم بأن نبضه تسارع.
«ماذا كُتب فيها؟»
أجاب يزن:
أعد إلينا الملف رقم ثمانية عشر، وسنعيد إليك أم الطفل رقم سبعة عشر.
بقي آدم ممسكًا بالهاتف، بينما اشتعلت النيران خلفه داخل مستشفى النور.
في تلك اللحظة فهم أن البحث لم يعد يتعلق بماضيه وحده.
فقد بدأ شخص ما بتحريكهم جميعًا، كما لو كانوا قطعًا فوق رقعة يعرف نهايتها مسبقًا.
والأسوأ من ذلك أن هدى لم تعد المرأة الوحيدة التي تحمل جوابًا.
كان هناك طفل آخر نجا من ليلة الحريق.
وربما كان أقرب إليهم مما يتخيلون.
نهاية الفصل الثالث.
في الفصل الرابع من رواية ظل الإمبراطورية، يعود آدم وليان إلى القصر بعد اختفاء هدى، بينما تكشف الصورة القديمة أول دليل عن هوية الطفل الآخر، ويجد يزن نفسه أمام حقيقة قد تجعله يشك في أقرب الناس إليه.
الفصل القادم:
الصورة القديمة
