عاد الضوء إلى القاعة، لكنه لم يُعد معها الهدوء.
بقي الجميع في أماكنهم للحظات، ينظرون إلى الطاولة التي اختفى منها الملف الأسود. كان الصمت ثقيلًا، وكأن كل شخص ينتظر أن يتهمه الآخر.
وقفت ريم أمام مقعدها، وقد شحب وجهها وهي تتفقد الأوراق المتناثرة. فتحت الأدراج، ثم انحنت لتنظر أسفل الطاولة، قبل أن ترفع رأسها بقلق واضح.
قالت بصوت مضطرب:
«الملف اختفى فعلًا.»
ضرب يزن بيده على الطاولة، ثم التفت إلى الحراس الذين تجمعوا عند الباب.
«أغلقوا جميع الأبواب. لا أحد يخرج من القصر.»
تقدم رجل في أواخر الأربعينات، يرتدي بدلة رمادية ويحمل جهاز اتصال صغيرًا في يده. كان وجهه صارمًا، وحركته تدل على أنه يعرف القصر أكثر من أي شخص آخر.
قال:
«البوابات أُغلقت يا سيد يزن.»
أشار إليه يزن قائلًا:
«هذا نادر، مسؤول الأمن في القصر. فتشوا المكان كله، وابدؤوا بكل من كان داخل هذه القاعة.»
تحركت نظرات أفراد العائلة نحو آدم وليان في اللحظة نفسها.
فهم آدم الرسالة دون أن يتكلم.
لقد كانا الغريبين الوحيدين في المكان، وهذا وحده كان كافيًا ليصبحا أول المتهمين.
اتهام مباشر
اقترب يزن من آدم، وتوقف أمامه على مسافة قصيرة.
«منذ أن دخلت هذا القصر بدأت الأشياء تختفي.»
رفع آدم حاجبه وقال:
«دخلت قبل أقل من ساعة. يبدو أن مشكلات عائلتكم كانت تنتظرني عند الباب.»
اشتدت ملامح يزن.
«لا تحاول أن تكون ذكيًا.»
«وأنت لا تحاول أن تجعلني مذنبًا لأنك لا تملك جوابًا أفضل.»
تدخلت ريم بسرعة:
«يكفي. لا أحد يملك دليلًا على شيء.»
نظر يزن إليها بغضب.
«الدليل كان أمامك ثم اختفى بعد دخوله مباشرة.»
قالت ليان، وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
«وكان من السهل جدًا على آدم أن يسرق ملفًا أمام أكثر من عشرة أشخاص، ثم يخفيه في الظلام خلال ثوانٍ. خطة عبقرية فعلًا.»
التفت إليها يزن.
«وأنتِ كيف دخلتِ القصر أصلًا؟»
«بدعوة من والدك.»
«أبي ميت.»
لم يتغير وجه ليان.
«لهذا وصلت متأخرة.»
كاد آدم يبتسم رغم توتره، لكن نظرة يزن جعلته يتراجع عن ذلك.
تقدم نادر وقال:
«هناك أمر آخر، يا سيد يزن.»
«ما هو؟»
«انقطاع الكهرباء لم يكن عطلًا عاديًا. شخص ما أوقف المولد الاحتياطي من غرفة التحكم.»
تحولت النظرات من آدم إلى أفراد العائلة.
سألته ريم:
«هل يمكن لأي شخص الوصول إلى غرفة التحكم؟»
هز نادر رأسه.
«لا. الباب يُفتح ببطاقة خاصة. البطاقات موجودة مع رجال الأمن، ومدير القصر، وبعض أفراد العائلة.»
نظر آدم إلى يزن وقال بهدوء:
«يبدو أن السارق ليس غريبًا كما كنت تتمنى.»
الصندوق رقم سبعة عشر
عاد الرجل الذي ظهر عند الباب أثناء انقطاع الكهرباء، وكان أحد العاملين في القصر. اقترب من نادر وهمس له بشيء، فتغير وجه مسؤول الأمن.
سأله يزن:
«ماذا حدث؟»
تردد نادر قبل أن يقول:
«لم يختفِ ملف الوصية فقط.»
ضاقت عينا ريم.
«ماذا اختفى أيضًا؟»
«صندوق صغير كان محفوظًا داخل خزنة السيد سليم في مكتبه.»
علا صوت همسات متداخلة في القاعة.
أما السيدة الكبيرة التي كانت تجلس قرب النافذة، فقد أمسكت بذراع مقعدها بقوة.
لاحظ آدم ارتباكها، لكنه لم يكن يعرف من تكون حتى قالت ريم:
«السيدة هدى، هل تعرفين شيئًا عن الصندوق؟»
رفعت هدى الراوي رأسها ببطء. كانت زوجة سليم ووالدة يزن، والمرأة التي حافظت على صمتها منذ دخول آدم.
قالت ببرود حاولت أن تخفي خلفه خوفها:
«لا أعرف شيئًا.»
سألها يزن:
«هل رأيتِه من قبل؟»
«قلت إنني لا أعرف شيئًا.»
أدار نادر جهازًا لوحيًا صغيرًا نحو ريم، وأظهر لها صورة التقطتها كاميرا مكتب سليم قبل أيام.
ظهر في الصورة صندوق خشبي داكن، مستطيل الشكل، وعلى جانبه قطعة معدنية كُتب عليها الرقم:
17
اقتربت ليان من الشاشة، وتأملت الصورة باهتمام.
«هل تعرفون ما كان بداخله؟»
أجاب نادر:
«لا. السيد سليم لم يسمح لأحد بفتحه.»
قالت ريم:
«ذكره لي مرة واحدة فقط. قال إنه يحتوي على وثائق لا يجوز أن تظهر قبل قراءة الوصية.»
نظر آدم إليها.
«هل يمكن أن تكون شهادة الميلاد داخله؟»
لم تجبه ريم فورًا.
كان صمتها جوابًا كافيًا.
أسرار الكاميرات
طلب يزن من نادر تشغيل تسجيلات المراقبة. انتقل الجميع إلى غرفة جانبية تضم شاشات تعرض ممرات القصر والبوابات والحديقة.
وقف آدم قرب الباب، بينما بقيت ليان إلى جانبه.
قال لها بصوت منخفض:
«قلتِ لي في الظلام ألا أثق بأحد.»
«وهذه أفضل نصيحة ستسمعها اليوم.»
«هل تشمل النصيحة عدم الثقة بكِ؟»
التفتت إليه وابتسمت ابتسامة خفيفة.
«بدأت تتعلم بسرعة.»
شغّل نادر تسجيل الممر المؤدي إلى مكتب سليم. ظهر الممر فارغًا قبل موعد قراءة الوصية بدقائق، ثم ظهر عامل يحمل صينية قهوة ويمر مسرعًا.
بعد ذلك انقطعت الصورة.
قال يزن:
«أعد التسجيل.»
أعاده نادر، لكن النتيجة بقيت نفسها.
شرح قائلًا:
«الكاميرا توقفت قبل انقطاع الكهرباء بثلاث دقائق.»
سألته ريم:
«من يستطيع تعطيل التسجيل؟»
«شخص يملك كلمة المرور الرئيسية.»
«ومن يملكها؟»
نظر نادر إلى يزن، ثم إلى هدى.
«أنا، والسيد يزن، والمرحوم سليم.»
ساد صمت جديد.
تقدم يزن خطوة وقال:
«هل تتهمني؟»
«أنا أذكر من يملك صلاحية الدخول فقط.»
تدخلت هدى بصوت حاد:
«ربما حصل شخص على كلمة المرور من سليم قبل موته.»
قالت ليان:
«أو ربما ما زال الشخص الذي عطّل الكاميرات داخل الغرفة معنا.»
نظرت إليها هدى بنفور واضح.
«وجود صحفية داخل بيتنا في يوم كهذا أمر لا يُحتمل.»
ردت ليان:
«وجود سارق داخله أسوأ بقليل.»
تفتيش القصر
بدأ رجال الأمن بتفتيش الغرف والممرات والسيارات المتوقفة في الخارج. رفض يزن استدعاء الشرطة في الوقت الحالي، بحجة أن تسرب خبر اختفاء وثائق من القصر سيؤثر في سمعة العائلة وأسهم الشركة.
اعترضت ريم:
«إخفاء الأمر قد يجعل وضعنا أسوأ.»
«لن أدخل الشرطة إلى بيت أبي قبل أن أعرف ما الذي حدث.»
قال آدم:
«أم قبل أن تعرف ما الذي كان داخل الصندوق؟»
التفت إليه يزن بحدة.
«ابقَ خارج هذا الأمر.»
«اسمي مكتوب في الوصية، وشهادة ميلادي قد تكون داخل الصندوق. أظن أن وقت بقائي خارج الأمر انتهى.»
خرج آدم من غرفة المراقبة، فلحقت به ليان. توقفا في الممر الطويل الذي يقود إلى المكتب الخاص بسليم.
قالت:
«إلى أين تذهب؟»
«إلى المكتب.»
«رجال الأمن يفتشونه.»
«رجال الأمن يبحثون عن صندوق. أنا أبحث عن سبب اختفائه.»
ابتسمت ليان.
«لست ميكانيكيًا سيئًا.»
نظر إليها باستغراب.
«ما علاقة عملي بالأمر؟»
«أنت لا تنظر إلى العطل فقط. تحاول معرفة من أين بدأ.»
«وأنتِ لا تدخلين بيتًا دون أن تحملي أسرار أهله.»
«لهذا قد ننجح معًا.»
أجابها بجدية:
«لم أقل إننا نعمل معًا.»
«وأنا لم أطلب موافقتك.»
مكتب سليم الراوي
كان باب المكتب مفتوحًا، ورجلان من الأمن يفتشان الأدراج والخزائن. أظهرت ريم ورقة قانونية تسمح لآدم بدخول المكتب، بعدما نصت الوصية على منحه حق الاطلاع على ملفات سليم.
دخل آدم ببطء.
كانت الغرفة مختلفة عن بقية القصر. لم تكن مليئة بالزينة، بل بالكتب والملفات والصور القديمة. خلف المكتب الكبير عُلقت صورة لسليم الراوي وهو يقف أمام أول مصنع أسسه قبل سنوات.
توجه آدم نحو الخزنة المفتوحة.
لم تكن هناك علامات كسر على بابها.
انحنى وفحص القفل، ثم مرر أصابعه على الحافة المعدنية.
سألته ليان:
«ماذا وجدت؟»
«الخزنة لم تُفتح بالقوة.»
«هذا واضح.»
«ليس تمامًا. شخص فتحها بالمفتاح، ثم حاول خدش القفل ليبدو كأنه عبث به.»
اقترب أحد رجال الأمن.
«كيف عرفت؟»
أشار آدم إلى الخدوش.
«الخدوش سطحية واتجاهها من الخارج إلى الداخل. لو حاول أحد كسرها فعلًا، لكانت أعمق قرب نقطة الإغلاق.»
نظرت إليه ليان بإعجاب لم تحاول إخفاءه.
«الميكانيكي بدأ يفيدنا.»
أجابها دون أن ينظر إليها:
«حاولي ألا تبدين مندهشة كثيرًا.»
بحث آدم داخل الخزنة. كانت فارغة باستثناء غبار خفيف وقطعة صغيرة من الورق عالقة عند الزاوية.
التقطها بحذر.
كانت جزءًا ممزقًا من ملصق قديم، يظهر عليه رقم واحد وكلمتان غير مكتملتين:
1999 — مستشفى النور
توقف آدم عن التنفس لثانية.
سنة 1999 كانت سنة ولادته.
أخذت ليان القطعة ونظرت إليها.
«سمعت بهذا المستشفى. أُغلق منذ سنوات بعد حريق دمّر قسم الأرشيف.»
«متى حدث الحريق؟»
«قبل سبعة وعشرين عامًا تقريبًا.»
رفع آدم عينيه إليها.
«في السنة نفسها التي وُلدت فيها.»
وقبل أن تضيف شيئًا، سمعا صوت حركة خلف مكتبة كبيرة في طرف الغرفة.
اقترب آدم منها، ومد يده بين الرف والجدار. كان هناك تيار هواء بارد يخرج من الخلف.
دفع المكتبة، لكنها لم تتحرك.
لاحظ تمثالًا معدنيًا صغيرًا موضوعًا على الرف. أدار قاعدته، فصدر صوت خافت داخل الجدار.
تحرك جزء من المكتبة ببطء، وظهر خلفه باب ضيق.
قالت ليان:
«يبدو أن سليم لم يكن يحب الأبواب العادية.»
أجاب آدم:
«أو لم يكن يثق بأهل بيته.»
الغرفة السرية
أضاء آدم مصباح هاتفه ودخل، وتبعته ليان. كانت الغرفة صغيرة، بلا نوافذ، وتحتوي على خزانة حديدية وطاولة عليها جهاز تسجيل قديم.
لم يكن المكان مغطى بالغبار، ما يعني أن سليم كان يستخدمه حتى وقت قريب.
فتحت ليان أحد الأدراج، فعثرت على صور قديمة ونسخ من مقالات صحفية تتحدث عن حريق مستشفى النور.
أما آدم، فوجد شريط تسجيل صغيرًا موضوعًا داخل ظرف كُتب عليه بخط اليد:
إلى آدم وحده.
بقي ينظر إلى اسمه لعدة ثوانٍ.
قال بصوت منخفض:
«كان يعرف أنني سأصل إلى هنا.»
اقتربت ليان.
«أو كان يأمل أن تصل.»
وضع آدم الشريط داخل جهاز التسجيل، وضغط زر التشغيل.
خرج صوت مشوش في البداية، ثم ظهر صوت رجل متعب لكنه واضح.
كان صوت سليم الراوي.
آدم... إذا كنت تسمع هذا التسجيل، فهذا يعني أنني لم أستطع أن أخبرك بالحقيقة بنفسي.
تجمد آدم في مكانه.
أعرف أنك لا تعرفني، وربما ستكرهني عندما تفهم ما حدث. لكن عليك أولًا أن تعرف أن موتي لم يكن حادثًا.
تبادلت ليان وآدم نظرة سريعة.
الشخص الذي قتلني كان يبحث عن الصندوق رقم سبعة عشر. لا تحاول استعادته وحدك، ولا تثق بمن يقول إنه يريد حماية العائلة.
انقطع الصوت لثوانٍ، ثم عاد ضعيفًا.
شهادة الميلاد ليست أهم ما في الصندوق. هناك وثيقة أخرى تثبت ما فعلناه في ليلة الحريق.
اقترب آدم من الجهاز، وكأنه يستطيع إجبار الصوت على أن يصبح أوضح.
عندما تريد معرفة من تكون، اسأل هدى عن الطفل الثاني.
توقف التسجيل فجأة.
بقيت الجملة معلقة داخل الغرفة.
الطفل الثاني.
نظر آدم إلى ليان.
«ماذا يعني ذلك؟»
هزت رأسها.
«لا أعرف، لكن هدى تعرف.»
قبل أن يخرجا من الغرفة، وصلهما صوت نادر من المكتب:
«سيد آدم، يجب أن تأتي معنا.»
خرج آدم فوجد نادر يقف مع يزن واثنين من رجال الأمن.
كان يزن يحمل في يده قطعة معدنية صغيرة.
سأل آدم:
«ماذا حدث؟»
أجابه يزن:
«وجدنا الصندوق.»
شعر آدم بشيء ينقبض داخل صدره.
«أين؟»
اقترب يزن منه، ثم قال ببطء:
«في سيارتك.»
الدليل المزروع
خرج الجميع إلى ساحة القصر. كانت سيارة آدم القديمة متوقفة قرب بوابة الخدمة، وحولها عدد من رجال الأمن.
كان الصندوق الخشبي موضوعًا داخل صندوق السيارة الخلفي.
اقترب آدم منه، لكنه توقف عندما منعه نادر.
قال يزن:
«هل لديك تفسير؟»
«نعم. شخص وضعه هناك.»
ضحك يزن بسخرية.
«طبعًا. دخل شخص إلى سيارتك، ووضع فيها أهم دليل في القصر، ثم اختفى.»
رد آدم:
«لو كنت قد سرقته، هل كنت سأتركه في أول مكان ستفتشونه؟»
قالت ليان:
«هو محق. من وضعه هنا أرادكم أن تجدوه.»
أمر يزن نادر بفتح الصندوق. استخدم مسؤول الأمن المفتاح المعدني الذي عُثر عليه قرب السيارة، ثم رفع الغطاء ببطء.
كان الصندوق فارغًا.
لا شهادة ميلاد، ولا ملفات، ولا وثائق.
لم يكن بداخله سوى ظرف أبيض صغير كُتب عليه اسم:
هدى الراوي.
تراجعت هدى خطوة عندما رأت الظرف.
فتحه يزن، وأخرج ورقة واحدة.
كانت الورقة صورة عن شهادة وفاة قديمة لطفل لم يعش سوى يوم واحد.
قرأت ريم الاسم المكتوب عليها، ثم رفعت رأسها نحو هدى بصدمة.
قال يزن:
«ما هذا؟»
لم تجب هدى.
اقترب آدم محاولًا رؤية الورقة، فقرأ السطر الذي جمد الدم في عروقه:
اسم الأم: هدى سليم الراوي.
عدد المواليد: توأم.
نظر آدم إلى هدى، بينما بدأت عيناها تمتلئان بالدموع.
قال بصوت خافت:
«من هو الطفل الثاني؟»
وضعت هدى يدها على صدرها، وتراجعت حتى اصطدمت بالمقعد الحجري خلفها.
اقترب منها يزن.
«أمي، أجيبي.»
نظرت هدى إلى آدم طويلًا، وكأنها ترى أمامها وجهًا حاولت نسيانه طوال سبعة وعشرين عامًا.
تحركت شفتاها أخيرًا، وقالت بصوت مكسور:
«الطفل الثاني... لم يمت.»
توقف الجميع عن الحركة.
ثم نظرت مباشرة إلى آدم وأضافت:
«لقد أخذوه مني ليلة الحريق.»
نهاية الفصل الثاني.
في الفصل الثالث من رواية ظل الإمبراطورية، تواجه هدى أبناءها بسر أخفته لسنوات، بينما يكتشف آدم أن حريق مستشفى النور لم يكن حادثًا، وأن هناك شخصًا آخر يبحث عنه قبل وصوله إلى القصر.
الفصل القادم: ليلة الحريق

